القرطبي

388

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

وقال كعب الأحبار : إن عيسى عليه السلام يمكث في الأرض أربعين سنة ، ويكثر الخير على يديه ، وتنزل البركات في الأرزاق ، حتى إن العنبة ليأكل منها الرجل حاجته ويفضل والقطف من العنب يأكل منه الجمع الغفير والخلق الكثير ، حتى إن الرمانة لتثقل الجمل ، وحتى إن الحي ليعبر بالميت ، فيقول : قم فانظر ما أنزله اللّه من البركة ، وأن عيسى عليه السلام يتزوج بامرأة من آل فلان ويرزق ولدين فيسمى أحدهما محمدا والآخر موسى ويكون الناس معه على خير وفي خير زمان وذلك أربعين سنة ، ثم يقبض اللّه روح عيسى ويذوق الموت ويدفن إلى جانب النبي صلى اللّه عليه وسلم في الحجرة ، ويموت خيار الأمة ويبقى شرارها في قلة من المؤمنين ، فذلك قوله عليه السلام : « بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا كما بدأ » . وقيل : إنه يدفن بالأرض المقدسة مدفن الأنبياء . فصل ذهب قوم إلى أن بنزول عيسى عليه السلام يرتفع التكليف لئلا يكون رسولا إلى أهل ذلك الزمان يأمرهم عن اللّه تعالى وينهاهم ، وهذا أمر مردود بالأخبار التي ذكرناها من حديث أبي هريرة ، وبقوله تعالى : وَخاتَمَ النَّبِيِّينَ [ الأحزاب : 40 ] وقوله عليه الصلاة والسلام : « لا نبي بعدي » وقوله : « وأنا العاقب » يريد : آخر الأنبياء وخاتمهم ، وإذا كان ذلك فلا يجوز أن يتوهم أن عيسى ينزل نبيّا بشريعة متجددة وغير شريعة محمد نبينا صلى اللّه عليه وسلم ، بل إذا نزل فإنه يكون يومئذ من أتباع محمد صلى اللّه عليه وسلم كما أخبر صلى اللّه عليه وسلم حيث قال لعمر : « لو كان موسى حيّا ما وسعه إلا اتباعي » « 1 » . وقد روى أبو الزبير ، أنه سمع جابر بن عبد اللّه يقول : سمعت النبي صلى اللّه عليه وسلم يقول : « لا تزال طائفة من أمتي يقاتلون على الحق إلى يوم القيامة ، قال : فينزل عيسى ابن مريم عليه السلام ، فيقول أميرهم : تعالى صلّ بنا . فيقول : لا إن بعضكم على بعض أمراء لكرامة اللّه لهذه الأمة » « 2 » خرجه مسلم في « صحيحه » وغيره . فعيسى عليه السلام إنما ينزل مقررا لهذه الشريعة ومجددا لها ، إذ هي آخر الشرائع ، ومحمد صلى اللّه عليه وسلم آخر الرسل ، فينزل حكما مقسطا ، وإذا صار حكما فإنه لا سلطان يومئذ للمسلمين ولا إمام ولا قاضي ولا مفتي ، قد قبض اللّه تعالى العلم وخلا الناس منه ، فينزل وقد علم بأمر اللّه تعالى له في السماء قبل أن ينزل ما يحتاج إليه من علم هذه الشريعة للحكم به بين الناس والعمل به في نفسه ، فيجتمع

--> ( 1 ) أخرجه أحمد ( 3 / 387 ) بإسناد ضعيف . ( 2 ) أخرجه مسلم ( 156 ) .